العيني
28
عمدة القاري
بعض الترجمة وكثيراً يقصد البخاري ذلك ، قاله الكرماني ، وقال بعضهم : لعله حمل المطلق على المقيد وذلك لقرب العهد فإن القصة التي ذكرها أنس كانت في غزوة خيبر والتي ذكرها أبو جحيفة كانت في حجة الوداع وبينهما نحو سنتين ، فالظاهر أنها هي تلك القبة لأنه صلى الله عليه وسلم ما كان يتأنق في مثل ذلك حتى يستبدل ، فإذا وصفها أبو جحيفة بأنها حمراء في الوقت الثاني فلأن تكون حمرتها موجودة في الوقت الأول أولى . انتهى . قلت : هذا الذي ذكره غير موجه ، وذلك أن قوله : حمل المطلق على المقيد ، لا يصح أن يكون في مثل هذا الموضع على ما لا يخفى على المتأمل مع ما فيه من الخلاف ، وبقية كلامه احتمال بعيد ، والأحسن أن يقال : إن أنساً رضي الله تعالى ، عنه اختصر فيه وترك ذكر لفظ : الحمراء ، ثم إنه أخرج حديث أنس من طريقين . الأول : عن أبي اليمان الحكم بن نافع عن شعيب بن أبي حمزة عن محمد بن مسلم الزهري عن أنس بن مالك رضي الله عنه . والثاني : علقه عن الليث عن يونس بن يزيد عن ابن شهاب ، وهو الزهري ، وساق الحديث على لفظ الليث ، ووصله الإسماعيلي من طريق الرمادي : حدثنا أبو صالح حدثنا الليث حدثني يونس فذكره ، وطريق شعيب قد مر في فرض الخمس مطولاً ، وفيه : فجمعهم في قبة من أدم . . . الحديث . 43 ( ( باب الجُلُوسِ على الحَصِيرِ ونَحْوِهِ ) ) أي : هذا باب فيه ذكر الجلوس على الحصير ، وهو الذي يتخذ من سعف النخل وغيره . قوله : ونحوه ، إشارة إلى الأشياء التي تبسط ويجلس عليها مما ليس له قدر . 5861 حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ أبي بَكْر حدثنا مُعْتَمِرٌ عَنْ عُبَيْدِ الله عَنْ سَعِيدِ بنِ أبِي سَعِيدٍ عَنْ أبِي سَلَمَةَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ عَنْ عائِشَةَ رضي الله عنها ، أنَّ النبَّي صلى الله عليه وسلم كانَ يَحْتَجِرُ حَصيراً باللَّيْلِ فَيُصَلِّي عَلَيْهِ ، ويَبْسُطُهُ بالنَّهارِ فَيَجْلِسُ عَلَيْهِ ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَثوبُونَ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فَيُصَلُّونَ بِصلاتِهِ حَتَّى كَثُرُوا ، فأقْبَلَ فقال : يا أيُّها النَّاسُ خُذُوا مِنَ الأعْمالِ ما تُطِيقُونَ فإنَّ الله لا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا وإنَّ أحَبَّ الأعْمالِ إلى ما دامَ وإنْ قَلَّ . مطابقته للترجمة في قوله : ( فيجلس عليه ) أي : على الحصير . ومحمد بن أبي بكر هو المقدمي ، ومعتمر هو ابن سليمان ، وعبيد الله هو ابن عمر العمري ، وسعيد هو المقبري ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، وهؤلاء الثلاثة من التابعين المدنيين . والحديث مضى في الصلاة في : باب صلاة اليل عن إبراهيم بن المنذر ، ومضى في الإيمان في : باب أحب الدين إلى الله من غير هذا الوجه . قوله : ( يحتجر ) أي : يتخذ حجرة لنفسه ، يقال : احتجر الأرض إذا ضرب عليها ما يمنعها به عن غيره ، وفي رواية الكشميهني : يحتجز ، بزاي في آخره . قوله : ( يثوبون ) بالثاء المثلثة أي : يجتمعون . قاله الكرماني : والأحسن أن يقال : يرجعون ، لأنه من ثاب إذا رجع . قوله : ( فأقبل ) أي : النبي صلى الله عليه وسلم . قوله : ( لا يمل ) من الملال وهو كناية عن عدم القبول ، والمعنى : فإن الله يقبل أعمالكم حتى تملوا فإنه لا يقبل ما يصدر منكم على سبيل الملالة ، وأطلق الملال على طريق المشاكلة . وقال الخطابي : هو كناية عن الترك أي : لا يترك الثواب ما لم تتركوا العمل ، وهذا أحسن من الأول . قوله : ( ما دام ) أي : دواماً عرفياً ، إذ حقيقة الدوام وهو شمول جميع الأزمنة غير مقدور ، ووقع في رواية الكشهميهني : ما دوام . فإن قلت : يعارض حديث الباب ما رواه ابن أبي شيبة من طريق شريح بن هانىء أنه سأل عائشة : أكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي على الحصير ، والله يقول : * ( ( 71 ) وجعلنا جهنم للكافرين حصيراً ) * ( الإسراء : 8 ) . فقالت : لم يكن يصلي على الحصير . قلت : هذا ضعيف لا يقاوم ما في الصحيح ، وأيضاً يمكن ، الجمع بأن يحمل النفي على المداومة ، وقال بعضهم : لكن يخدش فيه ما ذكره شريح من الآية . قلت : لا خدش فيه أصلاً ، لأن معنى الآية : حصيراً ، أي : محبساً ، يقال للسجن : محصر وحصير . 44 ( ( بابُ المُزَرَّرِ بالذَّهَبِ ) ) أي : هذا باب في ذكر لبس الثياب المزررة بالذهب ، وهو المشدود بالأزرار . 5862 وقال اللَّيْثُ حدّثني ابنُ أبي مُلَيْكَةَ عَنِ المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَةَ أنَّ أباهُ مَخْرَمَةَ قال لَهُ : يا بُنَيَّ !